حقیقة حدیث المرسل و حکم العمل به و حجیته عند الفقهاء و المحدثین

- حدیث شخص نجدی- در باره اسلام - سلسله دروس احادیث رسول الله صلی الله علیه و سلم - استاد نورالله کوثر

حقیقة حدیث المرسل و حکم العمل به و حجیته عند الفقهاء و المحدثین

                            

الإعداد و التقدیم: الدکتور نورالله کوثر

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

حمدا لمن نضر وُجُوه أهل الحَدِيث وَجعل مكانتهم عالية فِي الْقَدِيم والْحَدِيث وأصلي وَأسلم على سيدنَا مُحَمَّد مَرْفُوع الْمقَام وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين عز بهم الاسلام امابعد:

المطلب الاول – حقيقة کلمة المرسل بین اللغة والاصطلاح

  • حقیقة کلمة المرسل فی اللغة العربیة

المرسل وجمعه مراسيل بإثبات الياء وحذفها أيضاً، وأصله من (رسل) التي تحمل عدة معاني حسب إشتقاقاتها اللغوية. و يُمكن أن تكون مصدراً لاستعارة المعنى الاصطلاحي، وقد ذكرها الحافظ العلائي في جامع التحصيل، وهو أول من ذكرها واستعار منها، وهي:

(أولاً): يطلق على الانبعاث والإطلاق وعدم المنع. قال تعالى: (ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزُّهم أزَّا) . [سورة مريم 83]

(ثانياً): يطلق (الرَّسَلُ) على معنى القطيع من كل شيء، وجمعه “أرسال”. أرسالاً: جاء القوم أرسالا أي قطعاً متفرقين([1]), قال ابن سيده: الرَّسَل بفتح الراء والسين: القطيع من كل شئ والجمع أرسال، وجاءوا رسلة أي جماعة، فكأنه تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل: مرسل، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها([2]).

يقال: (جاء القوم أرسالاً)، أي قطيعاً، يتبع بعضهم بعضاً.

فكأنه تصور من هذا اللفظ “الاقتطاع”، فقيل للحديث الذي قطع إسناده: (مرسَل).

(ثالثاً): يطلق (الاسترسال) على الطمأنينة إلى الإنسان والأُنْسُ إليه والثقةُ به. فكأن المُرْسِل للحديث اطمأنًّ إلى من أرسل عنه ووثق به وتقول (استرسل): الطمأنينة إلى الإنسان والثقة فيما يحدثه([3]). وكأنَّ التابعي الذي قد ذكر الحديث اطمأن ووثق بصحة ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووثق بمن أخذ الحديث عنه، فلم يذكره. قال القرافي في (شرح التنقيح) : “إنه ما سكت عنه (الراوي) إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته”([4]).

(رابعاً): يقال في اللغة (ناقةٌ مرسال) أي سريعة السير.فكأن المُرْسِلُ للحديث أَسْرَعَ فيه َعجِلاً فحذف بعضَ إسناده([5]).

(خامسا): (أرسل) : (أطلق وأهمل)([6]) فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف([7])، أو أهمل ذكر راوٍ من رواة الإسناد. أرسل الحديث: لم يقيده([8]) وكأن الراوي لم يقيد روايته باتصال الإسناد فأسقط ذكر الصحابي الذي تحمله عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

  • حقيقة المرسل في اصطلاح المحدِّثين

هذا ما يتعلق بهذا اللفظ من حيث اللغة، وأما من ناحية الاصطلاح فلتعريف الحديث المرسل ومعرفة حده ينبغي علينا التمييز بينه وبين المنقطع والمعضل. أما المنقطع فقد ذهب الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين أن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية منْ دون التابعي عن الصحابي. وقيل: هو ما اختل منه رجل قبل التابعي محذوفاً كان أو مبهماً([9]). والمعضل- وهو بفتح الضاد- يقولون: (أعضله معضل) وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر([10]).

اختلف المحدثون في حدِّ (الحديث المرسل)، فكان لهم فيه تعاريف كثيرة، لكن بعد الوقوف عليها، يتضح أنها تعود إلى الأوجه الثلاثة التالية:

(الأول): ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -.

* وهذه الصورة صرَّح بها عددٌ من أهل العلم من أمثال الإمام الشافعي -رحمه الله- كما سيأتي تقريره، وقد ذكر ذلك ابن الصلاح في (علوم الحديث: ص47) وغيره من المحدثين.

* ولكن جمهرة المحدثين والفقهاء والأصوليين لا يقصرون المرسل على هذه الصورة وحدها، وإنما قَصَرَه عليها عددٌ من أهل العلم كما أسلفنا، وكما أشار إليه الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- في (التمهيد 1/19).

(الثاني): ما رفعه التابعي إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، سواءٌ كان ذلك التابعي من كبار التابعين أو من صغارهم، وسواءٌ كان المرفوع قولاً أو فعلاً.

* وهذا التعريف هو المشهور عند أهل الحديث كما ذكر ابن الصلاح في (علوم الحديث: ص47)، وابن دقيق العيد في (الاقتراح: ص192)، والعراقي في (التبصرة والتذكرة 1/144)، وابن حجر في (النزهة: ص41)، والسخاوي في (فتح المغيث 1/131) وغيرهم كثير.

وقد ذهب إليه من الأصوليين والفقهاء الإمام أبو نصر الصباغ، وأبو بكر ابن فورك، وابن برهان، والسمعاني، والقرافي، كما أشار لذلك العلائي في (جامع التحصيل: ص21و22).

وتعقَّب الحافظ ابن حجر -رحمه الله- هذا التعريف، وذلك: لأنه يدخل فيه ما سمعه بعض الناس في حال كفره من النبي – صلى الله عليه وسلم -، ثم أسلم بعد ذلك، وحدَّث عنه بما سمعه منه، كالتنوخي رسول هرقل، فإنه مع كونه تابعياً، محكوم لما سمعه بالاتصال لا الإرسال، ولذلك ذكر الحافظ -رحمه الله- في (النكت: ص546) أنه ينبغي أن يُضاف في هذا الحد ما يخرج ذلك بحيث يقال: (هو ما أضافه التابعي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – مما سمعه من غيره).

وقد اعتذر لهم السخاوي في (فتح المغيث 1/135): بأنهم أعرضوا عن هذا التقييد، لأن وقوع مثل هذه الحالة نادر.

(الثالث): قال الإمام النووي -رحمه الله- في (مقدمة شرحه على مسلم 1/30): (أما المرسل فهو عند الفقهاء وأصحاب الأصول والخطيب الحافظ أبي بكر البغدادي وجماعة من المحدثين (ما انقطع إسناده على أي وجه كان انقطاعه) فهو عندهم بمعنى المنقطع.

قال الحافظ ابن الصلاح -رحمه الله- في (علوم الحديث: ص48)=بعد أن ذكر الفرق بين المرسل والمنقطع والمعضل عند أهل الحديث=: (والمعروف في الفقه وأصوله أن كل ذلك يسمى مرسلاً، وإليه ذهب من أهل الحديث أبو بكر الخطيب وقطع به).

ومذهب الخطيب -رحمه الله- الذي أشار إليه النووي وابن الصلاح هو ما صرَّح به في كتابيه (الكفاية في علم الرواية) و (الفقيه والمتفقِّه):- حيث عَرَّفَ المرسل في (الكفاية: ص38) بقوله : (وأما المرسل، فهو: ما انقطع إسناده بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي – صلى الله عليه وسلم -. وأما ما رواه تابع التابعي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيسمونه المعضل، وهو أخفض مرتبة من المرسل … والمنقطع: مثل المرسل، إلا أن هذه العبارة تستعمل غالبا في رواية من دون التابعين عن الصحابة([11]).

وعَرَّفَه في كتابه (الفقيه والمتفقِّه 1/103) بقوله: (هو ما انقطع إسناده، وهو أن يروي المحدِّث عمن لم يسمع منه، أو يروي عمن سَمِعَ ما لم يَسْمَع منه، ويترك اسم الذي حدَّثه به فلا يذكره).

ونقل ابن عبد البر في (التمهيد 1/21) تعريف المحدِّثين للمرسل ثم قال: (المنقطع عندي كل ما لا يتصل سواء كان يعزى إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – أو إلى غيره).

وهذا المذهب هو ظاهر كلام الإمام الشافعي -رحمه الله- حيث سمى المرسل منقطعاً كما في (الرسالة: ص461).

** وممن أطلق المرسل على المنقطع من أئمة المحدثين كما قال السخَّاوي في (فتح المغيث 1/137و138): أبو حاتم الرازي، وابنه عبد الرحمن “ابن أبي حاتم”، وأبو زُرْعَة الرازي، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، والبيهقي.

** ومن المهم هنا ذكر ما قاله الحاكم بنقله إجماع المحدثين على أن “المرسل” ما رفعه التابعي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – مطلقاً سواء كان كبيراً أو صغيراً، حيث يقول في (معرفة علوم الحديث: ص44): (فإن مشايخ الحديث لم يختلفوا في أن الحديث المرسل هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي فيقول التابعي : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -).

** (هنا يرد إشكال، وهو):

كيف نجمع بين ما قاله أعيان المحدثين المذكورين آنفاً: (بأنهم يطلقون “المرسل” على كل منقطع)، وبين نقل الحاكم لإجماع المحدثين: (بأنهم يطلقون “المرسل” على ما رفعه التابعي إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -)؟؟

(والجواب عليه):

(1) أن كلام الحاكم -رحمه الله- المنقول: كان في سياق ذكر (المرسل الذي قوي الاختلاف في الاحتجاج به) لا على مطلق المرسل.

(2) أن فعل الحاكم -رحمه الله- نفسه في كتبه كالمستدرك والمدخل إلى معرفة الإكليل وغيرهما: (كان يُطلق المرسل على المنقطع) في مواطن كثيرة.

** مما يدل على أن عبارته المذكورة لا يقصد بها على أن المحدثين أجمعوا على أن هذا هو المرسل وما سواه ليس بمرسل، وبذلك يزول الإشكال.

– وقد توسع بعض الحنفية فأطلقوه على قول الرجل من أهل الأعصار المتأخرة (قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: كذا) وهذا من أعجب العجب !!، أشار له العلائي في (جامع التحصيل: ص22).

ويَحْسُنُ أن نذكر المسميات التي تطلق على كل نوع من أنواع السقط في الإسناد عند المحدثين، وهي:-

المنقطع.

المعضل.

المعلَّق.

المدلَّس.

المرسل الخفي.

أما الأصوليون والفقهاء فهم يطلقون على ذلك كله: “اسم الإرسال”.

وقد أطلق إمام الحرمين في (البرهان: ص633) اسم الإرسال أيضاً على الإسناد الذي لم يُسَمَّ أحد رواته.

وسماه الحاكم وابن القطان منقطعاً، كما ذكر ذلك السِّخاوي في (فتح المغيث 1/151).

قال العراقي في (التقييد والإيضاح: ص57): (وكل من القولين خلاف ما عليه الأكثرون، فإن الأكثرين ذهبوا إلى أن هذا متصل في إسناده مجهول).

وحمل الحافظ ابن حجر في (النكت2/562و563) كلام العراقي على ما إذا وقع ذلك من غير التابعي، فأما لو قال التابعي (عن رجل)، فلا يخلو إما أن يصفه بالصحبة أولاً، فإن لم يصفه بالصحبة (فلا يكون ذلك متصلاً)، لاحتمال أن يكون تابعياً آخر بل هو مرسلٌ على بابه، وإن وصفه بالصحبة وصرح بالسماع منه، أو لم يصرح وكان غير مدلس (فإنه متصل ولا غبار عليه).

لقد عَرَّف الحاكم الحديث المرسل فقال: “إنّ مشايخ الحديث لم يختلفوا في أنَّ الحديث المرسل: هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: “قال رسول الله – صلى الله عليه وسلّم-( ). وهكذا عبر ابن الصلاح تبعاً للحاكم.

يقتضي كلام الحاكم أن إرسال صغار التابعين ومتأخريهم يلحق بالمرسل، وإن كان ما يروون عمن أدركوه من الصحابة يسيراً، وجل رواياتهم إنما هي عن التابعين.

إنّ خلاصة أقوال المحدثين في الحديث المرسل بأنه: ما رواه التابعي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- باتفاق على التابعي الكبير, واختلافهم في التابعي الصغير هل هو مرسل أو منقطع. وقد وافق المحدثين جماعة من الأئمة كابن فورك، أبي نصر بن الصباغ، أبى المظفر بن السمعاني، وكذلك القرافي.

أما مشايخ أهل الكوفة فيقول الحاكم عنهم: “بأن كل من أرسل الحديث من التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم من العلماء فإنه عندهم مرسل محتج به”([12]). وهذا قول معظم الحنفية إلا من أطلق الإرسال على قول الراوي من الأعصار الثلاثة الأولى: قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابه “الكفاية”: “لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس، هو راوية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه، نحو رواية سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر والحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة وغيرهم من التابعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثابته في غير التابعين نحو رواية ابن جريج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ورواية مالك بن أنس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ورواية حماد بن أبي سليمان عن علقمة, وكذلك رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه كرواية سفيان الثوري، وشعبة عن الزهري، وكان نحو ذلك ما لم نذكره، فالحكم في الجميع عندنا واحد([13]).

والمشهور في الفقه والأصول أن (المرسل قول الإمام) لما من أئمة النقل وهو من له أهلية الجرح والتعديل (الثقة قال: عليه الصلاة والسلام) كَذا مقول القول (مع حذف من السند وتقييده) أي القائل أو الإمام القائل (بالتابعي أو الكبير منهم) أي كعبد الله بن عدي وقيس بن أبى حازم (إصطلاح) من المحدثين فدخل في التعريف (المنقطع) بالاصطلاح المشهور للمحدثين (والمعضل) المشهور عندهم. وهو كقول الخطيب وبه قال الشيخ موفق الدين الحنبلي في الروضة والآمدي في الأحكام5 والغزالي في المستصفى. من استقراء ما ذكرناه يبدو بأن اصطلاح المرسل لما ذكر من حيث اللغة ممكناً، وعلى هذا هو والمنقطع سيان لغة واصطلاحاً، ويبدو بأن المنقطع أكثر عموماً- وبه قال ابن عبد البر- عن المرسل إذ أن الأول يتحدد بكل ما لم يتصل سنده سواء كان يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى غيره، أمّا الثاني فهو ما أرسله التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمحدثون كما ذكرنا سابقاً يفصلون بين المرسل والمنقطع ويجعلون بينهم اختلافاً واضحاً.

وقد جعل الحنفية وإمام الحرمين المعضل والمرسل سواء، وعند الجمهور يعتبر المعضل أخص، وعندنا المعضل والمرسل متباينان.

نَخْلُصُ إلى أن العلماء رحمهم الله قد اختلفوا في حدِّ (الحديث المرسل)، وعند التأمل نرى أنها تعود لإطلاقاتٍ ثلاثة سبق الإشارة إليها في أول هذا المبحث.

 مثال للحديث المرسل.

قال أبو داود في المراسيل (برقم: 499، ص:518) حدثنا ابن المصفَّى، نا بقيَّة، عن الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (العنكبوت شيطان فاقتلوه).

فهذا (مرسلٌ ضعيف)، فيه ابن المصفَّى وبقيَّة “مدلِّسان لم يصرِّحا بالسَّماع”، والوضين “صدوقٌ سيء الحفظ”، ويزيد بن مرثد “ثقة له مراسيل”، وهذا من مراسيله.

 

 

المطلب الثانی – من مظانِّ الحديث المرسل.

وهي على نوعين:

(الأول): كتبٌ جمعت الأحاديث المرسلة، مثل/ المراسيل لأبي داود.

ما أُفْرِدَ من المراسيل في آخر تحفة الأشراف للحافظ المزِّي.

ما أُفْرِدَ من المراسيل في آخر الجامع الكبير للإمام السيوطي.

(الثاني): كتبٌ جمعت الرواة المُرْسِلين، مثل/

المراسيل : لابن أبي حاتم.

بيان المرسل : لأبي بكر البرديجي.

التفصيل لمبهم المراسيل : للخطيب البغدادي.

جزءٌ في المراسيل : لضياء الدين المقدسي.

جزءٌ في المراسيل : لابن عبد الهادي المقدسي.

جامع التحصيل لأحكام المراسيل : للعلائي.

تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل : للحافظ العراقي.

  • كيفيةُ الإرْسالِ في الحَديثِ وتصوُّرُه

الف  – بواعث الإرسال في الحديث.

لا ريب أن هناك أسباباً تقف وراء إرسال الراوي الحديث الذي يرويه، وتحْمِلُه على ترك وصله، ومن تلك الأسباب :

(أولاً): أن يكون المرسِل سمع الحديث عن جماعة ثقات، وصح عنده، فيرسله اعتماداً على صحته عن شيوخه.

(ثانياً): أن يكون نسي من حدَّثه به، وعرف المتن فذكره مرسلاً.

(ثالثاً): أن لا يقصد التحديث . وإنما يذكر الحديث على وجه المذاكرة، أو على جهة الفتوى فيذكر المتن دون السند، لأن المتن هو المقصود في تلك الحالة.

(رابعاً): من كان يرسل عن كل أحد، رُبَّما كان الباعث له على الإرسال ضعف من حَدَّثَهُ.

ب-  تعمُّد الإرسال في الحديث.

وعمدة هذا المبحث سؤال مهم: هل يجوز تعمد الإرسال؟؟

أجاب الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في النكت (2/558) بأَنَّه:

-إن كان شيخه الذي حدثه به عدلاً عنده، وعند غيره، فهو جائز بلا خلاف.

-وإن كان غير عدل عنده، وعند غيره، فهو ممنوع بلا خلاف.

-وإن كان عدلاً عنده فقط، أو عند غيره فقط، فالجواز فيهما محتمل بحسب الأسباب الحاملة عليه.

** وعلى جواب الحافظ -رحمه الله- مآخذ، وهي:

(أولاً) قوله: (وعند غيره)، فما لذي يُدري المُرسِل أنه عدلٌ عند غيره؟؟، فتقرير كونه (وعند غيره) خارجٌ عن قدرة بشر!!.

(ثانياً) في النوع (الممنوع بلا خلاف) هناك تعقيب عليه: إذ الذي يُرسِل قد بيَّن لك أن هناك واسطةٌ محذوفة وسقطٌ ظاهر، يقتضي منك البحث والنظر في هذا المحذوف أثقة هو أم ليس بثقة !!، فلم يوهِم المُرسِل صحة الحديث وهو ليس بصحيح، بل بيَّن، وهذا توجيه كثيرين ممن يرسلون حتى عن الضعفاء، وهذا الفرق بين التدليس والإرسال.

ج – مراتب المرسل من الأحاديث، وأسباب تفاوتها.

أوضحها السَّخاوي -رحمه الله- في فتح المغيث (1/155)، وهي على مراتب:

أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه.

ثم صحابي له رؤية فقط، ولم يثبت سماعه.

ثم المخضرم.

ثم المُتْقِن كابن المسيب.

ويليها من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد.

ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد، كالحسن.

ثم قال -رحمه الله-: (وَأَمَّا مراسيل صغار التابعين كقتادة والزهري وحميد الطويل فَإِنَّ غالب رواية هؤلاء عن التابعين).

قال الحافظ ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي (175و176):

تفاوت مراتب المرسلات بعضها على بعض يدور على أسباب:

(أحدها): أن من عزى روايته عن الضعفاء ضعف مرسله بخلاف غيره.

(الثاني): أن من عرف له إسناد صحيح على من أرسل عنه، فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك، وهذا معنى قول يحيى بن سعيد القطان : مجاهد عن علي ليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى عن علي.

(الثالث): أن من قوي حفظه يحفظ كل ما يسمعه وثبت في قلبه، ويكون منه ما لا يجوز الاعتماد عليه، بخلاف من لم يكن له قوة في الحفظ.

وقد أنكر مرة يحيى بن معين على علي بن عاصم حديثاً وقال : ليس هو من حديثك، إنما ذوكرت به فوقع في قلبك، فظننت أنك سمعته ولم تسمعه.

(الرابع): أن الحافظ إذا روى عن ثقة لا يكاد يترك اسمه بل يسميه فإذا ترك اسم الراوي دل على أنه غير مرضي، وقد كان يقول ذلك الثوري وغيره كثيراً يكنون عن الضعيف ولا يسمونه لا يقولون عن رجل وهذا معنى قول القطان : كان فيه إسناد لصح به، يعني لو كان أخذه عن ثقة لسماه وأعلن باسمه.

وخرَّج البيهقي من طريق أبي قدامة السرخسي قال :سمعت يحيى بن سعيد يقول: “مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما يقدر أن يسمي سمى وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه”. ا.هـ.

د–  تعارض الإرسال مع الاتصال، ومذاهبهم في الترجيح أو التوقف.

إن الحديث إذ رُوِيَ مرسلاً مرة، وروي موصولاً مرة أخرى، فهذا يعد من الأمور التي تُعَلُّ بها بعض الأحاديث، ومن العلماء من لا يعد ذلك علة.

فقد يكون منشأ هذا الاختلاف هو الراوي الواحد نفسه، إذ إنه قد يروي الحديث موصولاً في وقت، ويرسله في وقتٍ آخر، ولا ريب أن ذلك التعارض يتطلب النظر في الأسانيد، والتفتيش في أحوال الرواة للتوصل إلى معرفة الراجح من ذلك، وقد اختلفت أقوال العلماء فيما ينبغي إذا تعارض الحديث وصلاً وإرسالا.

وتفصيل هذه الأقوال في ذلك على ما يلي :

(القول الأول): ترجيح الرواية الموصولة على الرواية المرسلة، لأنه من قبيل زيادة الثقة، وزيادة الثقة يجب قبولها، ولأن الإرسال لا يقدح في الوصل، لاحتمال أن يكون الذي أَرْسَلَ فَعَلَ ذلك ناسياً أو لغرض، ولأن الراوي الواصل معه زيادة علمٍ على من أرسل.

* وذهب إلى تصحيحه الخطيب في (الكفاية: ص550)، وابن الصلاح في (علوم الحديث: ص64و65)، ونَسَبَ الإمام النووي هذا القول للمحققين من أهل الحديث في (شرح صَحِيْح مسلم 1/145)، ثم إن هذا القول هو الذي صححه العراقي في (شرح التبصرة 1/174).

(القول الثاني): ترجيح الرواية المرسلة على الرواية الموصولة، لأن سلوك غير الجادة دالٌّ على مزيد التحفظ، ولأَنَّ الإرسال نوعُ قدحٍ في الحديث، فذهبوا إلى ترجيحه وتقديمه لأنه من قبيل تقديم الجرح على التعديل.

* وهذا القول عزاه الخطيب في (الكفاية: ص549) للأكثر من أهل الحديث.

(القول الثالث): الترجيح للأحفظ، من وَصْلٍ أو إرسال.

* هو ظاهر كلام الإمام أحمد كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب في (شرحه لعلل الترمذي 2/631)، وكذا ذهب إليه جماعة من أهل الحديث كما قال الخطيب في (الكفاية: ص549).

(القول الرابع): الاعتبار لأكثر الرواة عدداً، لأن تطرق السهو الخطأ إلى الأكثر أبعد.

* عزاه الخطيب في (الكفاية: ص549) لأئمة الحديث، ونقله الحاكم في (المدخل ص40) عنهم.

(القول الخامس): التساوي بين الروايتين والتوقف.

* هذا القول ذكره السبكي في جمع الجوامع (2/124) وَلَمْ ينسبه لأحد.

والذي قَرَّرَه المحققون من العلماء أَنَّ أئمةَ أهل الحديث لم يكونوا يلتزمون طريقاً واحداً في الترجيح . بل كانوا يرجحون ما تدلُ القرائن على ترجيحه.

((إلحاقة هامة)): قال ابن دقيق العيد كما نقله عنه الحافظ ابن حجر في (النكت 2/604) : (من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم، أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد، إن الحكم للزائد لم يصب في هذا الإطلاق . فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً وبمراجعة أحكامهم الجزئية يُعرف صواب ما نقول).

وقال السخاوي في (فتح المغيث 1/175): (الحق حسب الاستقراء من صنيع متقدَّمي الفن عدم اطراد حكم كلي، بل ذلك مع الترجيح، فتارة يترجح الوصل، وتارة الإرسال، وتارة عدد الذوات على الصفات، وتارة العكس، ومن راجع أحكامهم الجزئية تبيَّنَ له ذلك).

 

 

المطلب الثالث –  مذاهب العلماء في قبول الحديث المرسل والعمل به أو رده:

وقد اختلف السادة العلماء في قبول الحديث المرسل بين القبول مطلقاً والرد مطلقاً أو التفصيل فيه وتعددت أقوالهم فيه.

ويرجع حاصلها إلى ثلاثة أقوال جامعة، يتفرع عن كل واحدٍ منها أقوال ومذاهب لهم، وسأسوق هذه الأقوال أولاً، ثم أورد ما وقفت عليه من أدلة كل فريق، وما يتبع ذلك من مناقشات واعتراضات وردود، لكل فريق وأدلته والاعتراض عليها ومناقشتها والردود عليها مسئلة مستقلة، اجمالاً مختصرةً غالباً من كلام الإمام العلائي في (جامع التحصيل: ص77 وما بعدها)، مقتصرةً على الأدلة النقلية لكل فريق، على ما يلي:

الف: ذِكْرُ الفريق الذي قام بقبول الحديث المرسل، وإيراد أدلتهم ومناقشتها.

ولهم فيه خمسة أقوال:

(الأول): القبول مطلقاً في جميع الأعصار والأمصار.

وهذا القول ذهب إليه بعض متأخري الحنفية.

واختاره الآمدي في (الإحكام 2/113و118) من الشافعية، والقاضي أبو يعلى في (العدة 3/917)من الحنابلة.

(الثاني): قبول مراسيل أهل القرون الثلاثة الفاضلة دون من بعدهم.

وهو اختيار أكثر الحنفية، نقله العلائي عنهم في (جامع التحصيل: ص48)، والحافظ ابن حجر في (النكت: ص551).

(الثالث): قبول مراسيل التابعين وأتباعهم مطلقاً، إلا أن يكون المُرْسِل عُرِفَ بالإرسال عن غير الثقات فإنه لا يُقبل مُرْسَله، وأما بعد العصر الثالث فإن كان المُرْسِل من أئمة النقل قُبِلَ مُرْسَله وإلا فلا.

وهو قول أبي حنيفة، وعيسى بن أبان، واختيار أبي بكر الرازي (الجصَّاص)، والبزدوي، وغالب متأخري الحنفية.

وقال القاضي عبد الوهاب المالكي : (هذا هو الظاهر من المذهب عندي).

وكل ذلك نقله العلائي في (جامع التحصيل: ص27و28).

وهنا نعقِّب على أن الظاهر مما نقله العلماء عن أبي حنيفة ومالك رحمهما الله هو قبول: مراسيل التابعين وأتباعهم مطلقاً، والمعلوم أن الحنفية والمالكية أكثر الناس توسعاً في قبول المراسيل، وعليه فالحق نقول:-

-((أن الجصَّاص (في كتابه الأصول) نقل عن أبي حنيفة الإجماع على عدم قبول المرسَل إذا كان المرسِل لا يتحرى في روايته ويروي عن كل أحد، وعليه: فإن المرسَل لا يقبله أبو حنيفة مطلقاً، إذ مفهوم كلامه أنه يجب على المرسِل أن يتحرى في الرواية حتى يُقبل المرسَل، فنسبة القول بقبول المراسيل مطلقاً لأبي حنيفة غير صحيحة!!)).

-((نقل أبو الوليد الباجي من أئمة المالكية مثل الإجماع السابق عن إمامهم مالك، وعليه أيضاً: لا يمكن أن يُنسب لمالك قبول المراسيل مطلقاً)).

-وبالنسبة لمالك أيضاً روى الخطيب بسنده عن عبد الله بن سلمة بن أسلم قال : ((ما كنا نتهم أن أحدا يكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متعمدا، حتى جاءنا قوم من أهل المشرق فحدثوا عن أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – الذين كانوا عندهم بأحاديث لا نعرفها، فالتقيت أنا ومالك بن أنس فقلت: يا أبا عبد الله والله إنه لينبغي لنا أن نعرف حديث رسول – صلى الله عليه وسلم – ممن هو، وعمن أخذناه، فقال: صدقت يا أبا سلمة، فكنت لا أقبل حديثا حتى يسند لي، وتحفظ مالك بن أنس الحديث من أيام يومئذ … ))، وفيه دلالة أن آخر الأمرين من مالك أن لا يقبل المرسل.

-ونقل الحاكم عن مالك أنه يرد المرسل، وانفرد بنقل هذا الرأي عن مالك ابن خويز منداد.

** وبالنسبة لمذهب الشافعي وأحمد سيأتي (ص30 وما بعدها) من هذا البحث، حتى يبين للمنصف أنهم لا يقبلون المراسيل مطلقاً كما يدعي البعض، وما لهذا التقعيد على المسائل من الأهمية والأثر الكبير.

(الرابع): قبول مراسيل التابعين على اختلاف طبقاتهم دون من بعدهم.

وهو قول الإمام مالك وجمهور أصحابه، وإحدى الروايتين عن أحمد، وكل من يقبل المرسل من أهل الحديث، ذكره العلائي في (جامع التحصيل: ص28)، والحافظ ابن حجر في (النكت: ص551).

(الخامس): قبول مراسيل كبار التابعين وَرَدُّ ما عداها.

وهذا القول حكاه الخطيب في (الكفاية: ص515) عن بعض أهل العلم.

أدلة هذا الفريق الذي قام بقبول الحديث المرسل، ومناقشتها

  • (أولاً): أدلة القائلين بقبول المرسل ومناقشتها:

يجتمع القائلون بقبول المرسَل على الاستدلال بأدلة نقلية وعقلية تؤيد ما ذهبوا إليه، وفيما يلي ذكر هذه الأدلة:

الأدلة:

قوله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كآفةً فلولا نفر من كل فرقةٍ منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) [التوبة 122]

ووجه الدلالة: أن الآية دلت على أن الطائفة إذا رجعت إلى قومها وأنذرتهم بما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – فإنه يلزم قبول خبرهم بغض النظر عن كونه مسنداً أو مرسلاً فالآية لم تفرق في الإنذار بين ما أسندوه وما أرسلوه.

قوله تعالى (إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) [البقرة 159]

فالآية تدل على وجوب التبليغ والراوي الثقة إذا قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقد بَيَّن وترك الكتمان ويلزم قبول خبره من غير تفريق بين المرسل والمسند.

قوله تعالى (يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) [الحجرات 6]

فالآية تأمر بالتبيُّن في حق خبر الفاسق دون العدل الثقة وعلى هذا يجب قبول خبر العدل الثقة مسنداً كان أو مرسلاً.

الأحاديث الواردة بالأمر بالتبليغ كقوله – صلى الله عليه وسلم -: (بلغوا عني ولو آية).

وقوله – صلى الله عليه وسلم -: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب)، إذا فيها الأمر بالتبليغ عنه – صلى الله عليه وسلم -، وهن يشمل المرسَل والمسند.

قول عمر – رضي الله عنه -: (المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد أو مُجَرَّباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة) يدل على أنه ينبغي أن يكتفي بظاهر الإسلام في القبول إلى أن يعلم منه خلاف العدالة.

ولا ريب أن الواسطة المحذوفة بهذه المنزلة، وإلا لما أرسل عنه الراوي، والأصل قبول خبره حتى يثبت في حقه ما يقتضي رد خبره ومرْوِيَه.

 

الاحتجاج بالإجماع :

احتج هؤلاء بالإجماع حيث ادعوا أن الإجماع انعقد في عصر الصحابة والتابعين على قبول المرسل.

فقد ظهر الإرسال من الصحابة وممن بعدهم، وشاع وانتشر من غير من غير نكير، وقد روى بعضهم الحديث الكثير عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فقبلوه مع علمهم أنه لم يسمع كل ذلك منه – صلى الله عليه وسلم – كابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وسائر الصغار من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وكذلك كان الحال في عهد التابعين فقد كان الإرسال مشهوراً شائعاً بينهم، ولم تكن روايتهم للمراسيل إلا للعمل بها ولو كانت لغواً لا تفيد شيئاً لأنكرها عليهم العلماء.

قالوا : وقد نقل هذا الإجماع الإمام أبو داود في (رسالته إلى أهل مكة: ص24)حيث قال: (وأما المرسل فقد كان يحتج به العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس، والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه).

ونقله أيضاً ابن جرير الطبري حيث قال : (لم يزل الناس على العمل بالمرسل وقبوله حتى حدث بعد المائتين القول بردَّه).

قال ابن عبد البر في (التمهيد 1/4): (كأنه يعني أن الشافعي أول من أبى من قبول المرسَل).

وهذا القول لم نقف عليه في كتب ابن جرير مما هو بين أيدينا اليوم، لكن له كلامٌ في كتابه (تهذيب الآثار) يبين فيه مذهبه هو في المرسل، فذكر أن المرسل عنده حجة إذا كان الذي يُرسِل ممن يتثبت في روايته، ويتحرى في نقله .. ولا يُتصوَّر أنه يقصد الشافعي وقد سبقه في رده الصحابة ( وكبار التابعين، كما سيأتي تقريره، وقد أومأ بذلك السبكي.

  • التفصیل فی هذه المسألة

و يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى القواعد المتبناة من أئمة الأصول والفقهاء في أصول الرواية.

أولها: قبول رواية المجهول العدالة والاحتجاج به.

وثانيها: هل أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له أم لا؟.

وثالثها: قول الراوي: حدثني منِ لا أتهم أو نحو ذلك هل يحتج به إذا لم يسمعه أم لا؟.

ورابعها: هل يقبل التعديل مطلقاً أم لابد من ذكر سببه، وهل يشترط عدد معين في التعديل؟.

إن استقراء هذه القواعد ومناقشتها لتبيين ما هو الحق منها، فتخرج في قبول المرسل أورده إطلاقاً أو التفصيل في ذلك.

أ- المذهب الأول: قبول المرسل:

ممن قال بقبول الحديث المرسل والعمل به: مالك بن أنس، وأبو حنيفة، وجمهور أصحابهما, وأكثر المعتزلة كأبي هاشم، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وابن القيم وابن كثير وغيرهم، ولهم في قبوله أقوال:

* أولها: قبول كل مرسل سواء بعد عهده وتأخر زمنه عن عصر التابعين حتى مرسل العصور المتأخرة، وهذا توسع غير مقبول، ومردود بالإجماع في كل عصر، ولو عمل به لزالت فائدة الإسناد وبطلت خصِّيصة هذه الأمة.

ثانيها: قبول مراسيل التابعين وأتباعهم مطلقاً، قال ابن الحنبلي في “قفو الأثر: “والمختار في التفصيل قبول مرسل الصحابي إجماعاً، ومرسل أهل القرن الثاني والثالث عندنا(الحنفية) وعند مالك مطلقاً.

ومن الحجج لهذا القول: أن احتمال الضعف في التابعين لاسيما بالكذب بعيد جداً، فإنه صلى الله عليه وسلم أثنى على عصر التابعين، ثم للقرنين الذين يلونه، فإرسال التابعي وبقية القرون الثلاثة بالجزم من غير وثوق بمن قاله، مناف لها.

واوسع من هذا قول عمر- رضي الله عنه – “المسلمون عدول، بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنياً في ولاء أو قرابة”.

إلا إن كان المرسل معروفاً بالإرسال عن غير الثقات، فإنه لا يقبل مرسله. وأما بعد العصر الثالث، فإن كان المرسل من أئمة النقل قبل مرسله, وهو قول عيسى بن إبان، أبو بكر الرازي والبز دوى وأكثر المتأخرين من الحنفية، وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: “هذا هو الظاهرمن المذهب عندي”.

* وثالثها: قبول إرسال التابعين على اختلاف طبقاتهم، وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وأحمد بن حنبل, وكل من يقبل المرسل من أهل الحديث.

* ورابعها: قبول مراسيل كبار التابعين دون صغارهم لقلة روايتهم عن الصحابة كما حكاه ابن عبد البر في التمهيد.

واختلف القائلون بقبول المرسل في طبقته هل هو أعلى من المسند، أو دونه، أو مثله؟. والقائلون بأنه أرجح وأعلى من المسند، وجّهوه بأن من أسند فقد أحالك على إسناده، والنظر في أحوال رواته والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقته فقد قطع لك بصحته وكفاك النظر فيه. قال القرافي في شرح التنقيح: “إن المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق؛ لأن المرِسل- بكسر السن- قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقاً بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوّض أمره للسامع، ينظر فيه، ولم يتذممه، فهذه الحالة أضعف من الإرسال”.

وساوى بين المرسل والمسند في وجوب الحجة والقبول محمد بن جرير الطبري، وأبو فرج المالكي، وأبو بكر الأبهري، وعندهم متى تعارض مدلول حديث مرسل وآخر مسند فلا ترجيح إلا بأمر آخر خارجي. وقد قدم أكثر محققي المالكية والحنفية كأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر الرازي بتقديم المسند على المرسل عند التعارض، وأن المرسل دون المسند بالرغم من قبوله والعمل به.

– ب – المذهب الثاني: رد المرسل:

قال الإمام مسلم- رحمه الله- في مقدمة صحيحه: “والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة”([14]).

وهو قول عبد الرحمن بن مهدي ويحي بن سعيد القطان وابن المديني وأبي خيثمة زهير بن حرب ويحي بن معين وابن أبى شيبة والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم من أئمة الحديث([15]).

قال ابن أبى حاتم: “سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل ولا لقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة”([16]).

 وهو قول جمهور الشافعية واختيار إسماعيل القاضي وابن عبد البر وغيرهما من المالكية والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة كثيرون من أئمة الأصول.

والحجة في رد المرسل هو أنا إذا قبلنا خبر من لا نعلم حاله في الصدق والعدالة ممن حاله على خلاف ذلك، فنقول على الدين والشرع ما لم نتحقق من صحته، قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} , وقال عز وجل: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} .

وروى الحاكم في كتابه (علوم الحديث) عن يزيد بن هارون قال: “قلت لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل هل ذكر الله عز وجل أصحاب الحديث في القرآن؟ ” قال: “نعم، ألم تسمع إلى قوله عز وجل: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}, فهذا فيمن رحل في طلب العلم ثم رجع به إلى من وراءه ليعلمهم إياه”، وقال الحاكم: “في هذه الآية دليل على أن العلم المحتج به هو المسموع دون المرسل”([17]).

ومن الأدلة على رد المرسل ما رواه أبو داود في سننه في حديث عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم”. وما رواه الشافعي- رحمه الله – قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها”. والحديثان دلا على أن شأن الرواية اتصال الإسناد، فمتى جوزنا للفرع قبول الحديث من شيخه من غير وقوف على اتصال السند الذي تلقاه شيخه أدى ذلك إلى اختلال السند لجواز أن يكون هذا الساقط غير مقبول الرواية، فلا يجوز الاحتجاج بخبره.

قال الإمام ابن عبد البر: “الحجة في رد الإرسال ما أجمع عليه العلماء من الحاجة إلى عدالة المخبر عنه، وأنه لابد من معرفة ذلك، فإذَا حكى التابعي عمن لم يلقه لم يكن بد من معرفة الواسطة، إذ قد صح أن التابعين أو كثيرا منهم رووا عن الضعيف”([18]).

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: “إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه”([19]).

هذا وقد وجد بعد الصحابة من القرنين، من وُجدت فيه الصفات المذمومة، لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة، إذ كثر آنذاك وانتشر، وقد روى الشافعي- رحمه الله – عن عمه: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، قال: “إِني لأسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أي يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به وقد حدث به عمن أثق به، أو أسمعه من الرجل أثق به، قد حدث عمن لا أثق به”. وهذا كما قال ابن عبد البر: “يدل على أن ذلك الزمان, أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره”.

ج – المذهب الثالث: التفصيل في المرسل:

للاحتجاج بالحديث المرسل عمد الفقهاء والأصوليون إلى اعتماد معيار لنقد الحديث المرسل وتمحيصه للتأكد من صلاحيته في استنباط الأحكام الشرعية.

قال الإمام الشافعي- رحمه الله -: “وأحتجُّ بمرسل كبار التابعين، إذا أسند سن جهة أخرى، أو أرسله من أخذ من غير رجال الأول، أو وافق قول الصحابي، أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه”3. أما أئمة الجرح والتعديل كيحي بن سعيد القطان وعلى بن المديني وغيرهما فوضعا قاعدة للتفصيل في قبول وردّ الحديث المرسل وذلك في التفريق بين من كان لا

  • مناقشة الأدلة السابقة :

ناقش المانعون من قبول المرسل الأدلة السابقة التي استدل بها من قبل المرسَل وعَمِلَ به، مناقشةً تدل على ضعف استدلالهم، وفيما يأتي نشير إليها بشيء من الإيجاز:

(بالنسبة للاستدلال بالآيات والأحاديث):أجمل الحافظ العلائي الإجابة عنها في (جامع التحصيل: ص78)بقوله: (والجواب عن ذلك كله أن هذه الآيات والأحاديث ليس فيها شيء على عمومه، بل هي أفعال مطلقة لا عموم لها، والمطلق يصدق امتثاله بالعمل به في صورة وإن سلم عمومها من جهة المعنى، وعدم التفرقة كما ذكروه، فهي مخصوصة بالرواية عن المجهول العين اتفاقاً، كما إذا ذكر الراوي شيخه، وقال: “لا أعلم عدالته” أو سكت عنه بالكلية، وقلنا بالراجح إن مجرد رواية العدل عن الراوي ليست تعديلاً له، وإنما خصت بهذه الصورة للجهالة . والجهالة في صورة المرسَل أتم، لأن فيه جهالة العين والصفة ولأن من لا يعرف عينه كيف تعرف صفته من العدالة؟؟، بخلاف تلك الصورة فإن فيها جهالة الصفة فقط، فإذا خصت بتلك الصورة لزم تخصيصها في صورة الإرسال بطريق الأولى).

(مناقشة): وأما استدلالهم بقوله تعالى : (يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فهو في غير محلَّه . لأن الآية إذا كانت تقتضي بأنَّ من لم يكن فاسقاً لا يتثبت في خبره . فإنَّ عدم فسق الراوي المحذوف لا يمكن معرفته وهو مجهول العين أصلاً.

(مناقشة): واستدلالهم بقوله – صلى الله عليه وسلم -: (خير الناس قرني …) الحديث، أُجيبَ عنه: بأن الحديث محمولٌ على الغالب والأكثرية، وإلا فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرينين من وجدت فيه الصفات المذمومة، ووجد فيهم من وصف بالكذب كالحارث الأعور وعطية بن سعيد العوفي وغيرهما.

وقوله – صلى الله عليه وسلم – في الحديث : (ثم يفشوا الكذب) يقتضي أن الكذب كان موجوداً في القرون الفاضلة لكنه غيرُ فاشٍ ولا كثير، ويؤيد ذلك أن ابن عباس ( توقف عن قبول مراسيل بشير بن كعب وغيره، وَعَلَّلَ ذلك بظهور الكذب بين الناس، وهذا في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين فكيف بمن بعدهم، وبه يُعلم أن أول من قام برد المرسل ابن عباس ).

وقد قال عروة بن الزبير- رضي الله عنه -: (إني لأسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، وذلك أني اسمعه من الرجل لا أثق به قد حَدَّثَ به عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به قد حَدَّثّ به عَمَّنْ لا أثق به فلا أُحَدَّثُ به).

قال ابن عبد البر في (التمهيد 1/38و39): (وفي خبر عروة هذا دليل على أَنَّ ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير الثقة).

(مناقشة): وأما دعوى الإجماع فَإِنَّها دعوى غير مُسَلَّمة إلا في عصر الصحابة زمن النبوة وبعدها بيسير، حيث لم يخالط الصحابة غيرهم، وذلك لا يرد على من لم يحتج بالمرسَل . لما تقدم من آن مرسلَ الصحابي مقبول سواء كان صغيراً أو كبيراً عند جمهور العلماء، ولم يخالف في ذلك إلا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وطائفة يسيرة، وقولهم مردود لما تقرر من عدالة الصحابة جميعاً، ولأن من يرسل الحديث منهم فإنما يرسله عن مثله، كما قال البراء – رضي الله عنه -: (ليس كلنا سمع حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، كانت لنا ضيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب).

وكذا قال أنس بن مالك – رضي الله عنه -: (ليس كلَّ ما نحدثكم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سمعناه منه، ولكن حثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضاً).

وأما بعدما كثر التابعون، وانتشرت رواياتهم بين الصحابة المتأخرين، فإن دعوى الإجماع معارضة بما تقدم نقله عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك ومحمد بن سيرين والزهري وغيرهم من التثبت في قبول الأحاديث وإنكار الإرسال وَرَدَّ المراسيل.

ثُمَّ إِنَّ الاتفاق يردُّه ما نقله الإمام مسلم في (مقدمة صحيحه 1/30) عن غيره مقرراً له : (المرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار لي بحجة).

** وما تقدم نقله عن أبي داود ومحمد بن جرير الطبري من أنه لم يَرُدَّ المرسلَ أحد قبل الشافعي مردود بما تقدَّم نقله عن ابن عباس وأبي هريرة وأنيس بن مالك وابن سيرين والزهري وغيرهم، وبقول من رَدَّه قبل المائتين كالأوزاعي وشعبة والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم.

قال السخاوي في (فتح المغيث: 1/143) بعد حكايته عن الحاكم أنه روى عن سعيد بن المسيب عدم قبوله المرسل ما نصه : (وبسعيدٍ يُرَدُّ على ابن جرير الطبري من المتقدمين، وابن الحاجب من المتأخرين ادعاؤهما إجماع التابعين على قبوله إذ هو من كبارهم، مع أنه لم ينفرد من بينهم بذلك، بل قال به منهم ابن سيرين والزهري، وغايته أنهم غير متفقين على مذهب واحد، كاختلاف من بعدهم، ثم إن ما أشعر به كلام أبي داود في كون الشافعي أول من ترك الاحتجاج به، ليس على ظاهره، بل هو قول ابن مهدي ويحيى بن القطان وغير واحد ممن قبل الشافعي، ويمكن أن اختصاص الشافعي لمزيد التحقيق فيه).

ب-: ذِكْرُ الفريق الذي قام بردَّ الحديث المرسل، وإيراد أدلتهم ومناقشتها.

ولهم فيه ثلاثة أقوال:

(الأول): رَدُّ مراسيل من عدا الصحابة مطلقاً.

وهو الذي ذهب إليه جماهير المحدثين وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول، كما ذكر العلائي في (جامع التحصيل: ص30و31).

قال ابن الصلاح في (علوم الحديث: ص49): (وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه، هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حُفَّاظ الحديث ونُقَّاد الأثر، وقد تداولوه في تصانيفهم).

(الثاني): رَدُّ المراسيل مطلقاً، حتى مراسيل الصحابة – رضي الله عنهم -، وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني، وطائفة يسيرة، واختاره أبو بكر الباقلاني، كما ذكر ذلك العلائي في (جامع التحصيل: ص31)، والحافظ ابن حجر في (النكت: ص547).

(الثالث): لا يقبل المرسَلُ إلا إذا وافقه الإجماع لأنه حينئذ يحصل الاستغناء عن السند ويقبل المرسل، وهذا قول ابن حزم في (الإحكام 2/70).

أدلة هذا الفريق الذي قام بردِّ الحديث المرسل، ومناقشتها

(أولاً): أدلة القائلين بردِّ المرسل ومناقشتها:

استدل المانعون من قبول المرسل بأدلةٍ تؤيد ما يذهبون إليه من رَدَّ المرسل وعدم صلاحيته للاحتجاج، وهي:

الأدلة:

قوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم). ]الإسراء 36[

قوله تعالى (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون). ]البقرة 169[

ووجه الدلالة من هاتين الآيتين: أَنَّ من يقبل خبر من لا يعلم حاله في الصدق والعدالة قد قفى ما ليس له به علم.

قوله تعالى (يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا). ]الحجرات 6[

و روى الحاكم في (معرفة علوم الحديث: ص26و27) عن يزيد بن هارون قال قلت لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل هل ذكر الله أصحاب الحديث في القرآن؟؟ فقال: بلى، ألم تسمع إلى قول الله تعالى: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)؟؟ فهذا فيمن رحل في طلب العلم ثم رجع به إلى من وراءه لعلمهم إياه، قال الحاكم:( ففي هذا النص دليل على أن العلم المُحْتَج به هو المسموع غير المرسل).

و کذلک قوله – صلى الله عليه وسلم -: (تَسْمَعون، وَيُسْمَعُ منكم، وَيُسْمَعُ مِمَّن سمع منكم)، وقوله – صلى الله عليه وسلم -: (نَضَّرَ اللَّه امرءاً سمع منا شيئاً، فبلغه كما سمع، فَرُبَّ مُبَلَّغِ أوعى من سامع)، فهذان الحديثان يدلان على أنه ينبغي في الرواية اتصال الإسناد، وأن الراوي لا يتحمل إلا ما سمعه شيخه ممن يروى عنه، ويكون ذلك إلى منتهى السند.

و ایضاً أنَّ الذي درج عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، هو الاحتياط في قبول الأخبار، ونقدها، والنظر في اتصالها، وقد ورد عنهم أخبار كثيرة تدل على ذلك، فمن ذلك أنه قد ثَبَتَ عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه قال: (كنت إذا سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر).

و کذلک ومن الحجج أيضاً أًنَّ الجهالة بحال المحذوف من الإسناد، مانعة من قبول الخبر المرسل.

و ایضاً قال ابن عبد البر في (التمهيد 1/6): (وحجتهم في رَدَّ المرسَل: ما أجمع عليه العلماء من الحاجة إلى عدالة المُخْبِر، وأنه لا بد من علم ذلك . فإذا حكى التابعي عمن لم يلقه لم يكن بُدُّ من معرفة الواسطة . إذ قد صح أن التابعين أو كثيراً منهم رووا عن الضعيف وغير الضعيف، فهذه النكتة عندهم في رَدَّ المرسَل . لأن مرسِلَه يمكن أن يكون سمعه ممن يجوز قبول نقله، وممن لا يجوز، ولا بد من معرفة عدالة الناقل، فبطل لذلك الخبر المرسَل للجهل بالواسطة).

** وهذا المعني الذي ذكره ابن عبد البر عَبَّر عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في (النزهة: ص41) بقوله : (وإنما ذكر في قسم الردود للجهل بحال المحذوف، لأنه يحتمل أن يكون صحابياً، ويحتمل أن يكون تابعياً، وعلى الثاني: يحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقة. وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر . وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد، أَمَّا بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، وأَمَّا بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض).

قال ابن عبد البر في (التمهيد 1/6): (ولو جاز قبول المراسيل لجاز قبول خبر مالك والشافعي والأوزاعي ومثلهم إذا ذكروا خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم . ولو جاز ذلك لجاز فيمن بعدهم إلى عصرنا، وبطل المعنى الذي عليه مدار الخبر).

و قال النووي في (المجموع 1/60) : (ودليلنا في ردَّ المرسَل مطلقاً أنه إذا كانت رواية المجهول المُسَمَّى لا تقبل لجهالة حاله، فرواية المرسَل أولى . لأن المرويَّ عنه محذوف مجهول العين والحال).

إن الإرسال في الشهادة غير مقبول، بل لابد أن يذكر شهود الفرع شهود الأصل الذين تلقوا الشهادة بأعيانهم.

 قال الخطيب في (الكفاية: ص538): (ولو كان حكم المتصل والمرسل واحداً لما ارتحل كتبة الحديث، وتكلفوا مشاق الأسفار إلى ما بَعُدَ من الأقطار، للقاء العلماء والسماع منهم في سائر الآفاق).

 أما دليل من ذهب إلى قبول مرسل من لا يرسل إلا عن الثقة: فيرى أصحاب هذا القول أَنَّ فيه جمعاً بين أدلة المانعين من قبول المرسل والقابلين له، فهم يقبلون المرسل حيث يتأكد لهم أَنَّ الساقط من الإسناد هو ثقة، واحتمال كونه ضعيفاً مندفع بما عُرِفَ عن المرسِل من أنه لا يرسل عن الضعفاء، أما مَنْ لم يُعْرَفْ عنه ذلك فإنَّ مُرْسَله مردود، لبقاء احتمال روايته عن الضعفاء، كما ذكره العلائي في (جامع التحصيل: ص96و98).

(ثانياً): مناقشةُ بعضٍ من الأدلة السابقة :

= ردوا على الاستدلال بالآيتين الأوليين: بأن من رَدَّ المُرْسَل قد قال أيضاً ما لا علم له به، ومنع ما لم يتحققه ويُجابُ أيضاً: بأن الأصل أنه لا يلزم الحكم إلى بحجة، والحجة لا تثبت إلا بعد العلم بصدق المرسل عنه وعدالته، فإذا عدم ذلك وجب التمسك بالأصل، ما لم يأت دليل تسح به الحجة الشرعية.

= وعن الآية الثالثة: أن الآية تأمر بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، والساقط من الإسناد في المرسل يحتمل أن يكون فاسقاً، وحينئذ فإنه يجب عدم قبول مروية.

= وتُعُقَّبَ استدلال الحاكم بأن الآية التي يرويها في أثره الذي يرويه: ليس فيها ما يدل على المنع من الإنذار بالمرسَل، والذي ينذر به النافرون قومهم أَعَمُّ من أن يكون مسنداً أو مرسلاً.

= اعتُرِضَ على القائلين بعدم حجية المرسل بأن مدار ما استدلوا به مبنيٌّ على رد رواية المجهول . والحنفية القائلون بقبول المرسل، يقبلون رواية المجهول العدالة ويحتجون به، فكيف ينتهض هذا الدليل عليهم؟؟، والجواب عنه من وجهين:

(الوجه الأول): ليس الحنفية كل القائلين بالمرسل، بل قد قال به أيضاً جمهور المالكية وغيرهم ممن لا يرى قبول رواية المجهول، كما أورد ذلك العلائي في (جامع التحصيل: ص64و65).

(الوجه الثاني): قال العلائي في (جامع التحصيل: ص56و57): (إن المجهول في الخبر المرسل “مجهول عين” لا يدري ما اسمه، والحنفية وغيرهم يتفقون على عدم الاحتجاج بخبر من كان بهذه المثابة).

= وقال العلائي في (جامع التحصيل: ص75و87و94و95) ما يلي:

= واعترض عليهم في استدلالهم بالحديثين المتقدم ذكرهما في الأدلة بأن دلالتهما: إنما هي مقصورةٌ على أن طريق التحمل ينبغي فيه الأخذ عن طريق السماع، ومن يحتج بالمرسَل يقول بذلك، فإنهم يقولون: “لا يجوز للراوي أن يرسل حديثاً لم يسمعه” !!، وإنما يجوز له إرساله بعد اتصاله إليه وجزمه بعدالة الرواة، وأما في حالة الأداء فليس في الحديثين ما يدل على المنع من الإرسال، والجواب عن ذلك: أنه كما تضمن الحديثان طلب السماع في كيفية وصول الحديث إلى الراوي فكذلك دَلَّ على مثله في الرواية، ففيهما إشارة إلى أن الراوي لا يتحمل إلا ما سمعه شيخه ممن يروى عنه، ويكون ذلك إلى منتهى السند، وأيضاً متى جوَّزنا للفرع قبول الحديث من شيخه، من غير وقوف على اتصال السند الذي تلقاه شيخه أدى ذلك إلى اختلال السند، لجواز أن يكون ذلك الساقط غير مقبول الرواية !!.

= واعتُرِضَ عليهم في استدلالهم على عدم قبول المرسل: بقياسه على عدم قبول الإرسال في الشهادة، بأن بين المقامين فَرْقاً، فباب الشهادة أضيق من باب الرواية، وقد اعتبر فيها أمور لم تعتبر الرواية كالحرية والذكورة والبصر وعدم القرابة والعداوة، وأيضاً ليس لشاهد الفرع أن يشهد على شهادة الأصل، ما لم يشهده على شهادته . ويجوز للفرع في الراوية أن يروي عنه إذا سمعه يُحدِّث، وإن لم يقل له: (اروه عني) !!، وأيضاً ليس للفرع أن يشهد على شهادة الأصل بلفظ (عن) ونحوها بل لا بد من الأداء بلفظ الشهادة .. ومع هذه الفروق كلها لا يصح قياس إحداهما على الأخرى، وأُجيبَ على ذلك بالآتي:

(أ) إن افتراقهما في بعض الصور لا يعني عدم اتفاقهما في الصور الأخرى.

(ب) إن الأمر الجامع المعتبر بين الراوية والشهادة هو اشتراط العدالة فيهما، والقياس هنا يتعلق بهذا المعنى المشترك.

دليل من رَدَّ المرسل مطلقاً حتى مراسيل الصحابة ومناقشته:

يستدل أصحاب هذا القول بالأدلة المتقدمة في مذهب من رَدَّ المرسَل، ويرون عدم قبول مراسيل الصحابة أيضاً، لأنه وجدت أحاديث رواها بعض الصحابة عن جماعة من التابعين وهذا يدل على وقوع رواية الصحابة عن التابعين، والجهالة بحال التابعي مؤثرة.

والجواب عن ذلك: أَنَّ القدر الذي رواه بعض الصحابة عن التابعين نَزْرٌ يسير جداً، والأحاديث المرفوعة فيه نادرة، وأكثره أحاديث موقوفة، أو حكايات إسرائيلية، ونحو ذلك، وقد تُتُبَّعَتْ وَجُمِعَتْ لِقِلَّتِها.

والظاهر فيما رووه أنهم سمعوه من النبي – صلى الله عليه وسلم -، أو ممن سمعه من النبي – صلى الله عليه وسلم -، لأن هذا هو الغالب، والحمل على الغالب أولى من الحمل على النادر.

ويدل لذلك ما نقل عن البراء بن عازب – رضي الله عنه – أنه قال: (ليس كلنا سمعنا حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، كانت لنا ضيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب).

وما جاء عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال : (ليس كل ما نحدثكم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سمعناه منه، ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضاً).

ج-: ذِكْرُ الفريق الذي قام بالتفصيل في قبولِ وردِّ الحديث المرسل.

ولهم فيه خمسةُ أقوال:

(الأول): إن كان المرسل عُرِفَ من عاداته، أو صريح عباراته أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبِلَ وإلا فلا.

* وهذا المذهب قوَّاه الحافظ العلائي في (جامع التحصيل: ص33و34)، وذكر أنه اختيار كثيرين من أئمة الجرح والتعديل كيحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني وغيرهما، كما أشار إليه ابن عبد البر في (التمهيد 1/17و30)، والخطيب في (الكفاية: ص515).

قال الحافظ ابن حجر في (النكت: ص552و553): (وقد بالغ ابن عبد البر فنقل اتفاقهم على ذلك، فقال: لم يزل الأئمة يحتجون بالمرسَل إذا تقارب عصر المرسِل والمرسَل عنه، ولم يُعْرَفْ المرسِل بالرواية عن الضعفاء، ونقل أبو الوليد الباجي الاتفاق في الشق الآخر فقال: “لا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسَل إذا كان مرسِله غير متحرِّز، يرسل عن الثقات وعن غير الثقات”)، ثم قال الحافظ بعد ذلك: (وهذا وإن كان في صحة نقل الاتفاق من الطرفين نظر، فإن قبول مثل ذلك عن جمهورهم مشهور).

(الثاني): إن كان المرسِل من أئمة النقل والمرجوع إلى قولهم في الجرح والتعديل قُبِلَ ما أرسله إذا جزم به، وإن لم يكن كذلك فلا.

*وهذا اختيار جماعة من الأصوليين منهم إمام الحرمين، وابن الحاجب وغيرهما، كما ذكره العلائي في (جامع التحصيل: ص33و34).

وتقدم في مذهب عيسى بن أبان (ص16 من هذا البحث)، أنه يشترط لقبول مرسَل من بعد القرون الثلاثة المفضَّلة أن يكون من أئمة النقل.

(الثالث): انفرد ابن برهان برأي في قبول المرسَل، فقال في (الوصول إلى الأصول 2/181و182): (الحقُّ عندنا أن الإرسال إن كان صادراً ممن يعتقد صحة مذهبنا في الجرح والتعديل قبلنا قوله مسنداً كان أو مرسلاً، وإن كان ممن يخالف مذهبنا في ذلك لم نقبل إرساله في ذلك، لإمكان أَنَّ من أغفل ذكره غير مقبول الرواية، لأنَّه ربما لو صرح باسمه رددناه فرددنا إرساله لذلك) !!!!.

(الرابع): ذهب الإمام الشافعي -رحمه الله- إلى قبول مراسيل كبار التابعين بشروط في المُرْسَل والمُرْسِل.

* فقد اشترط في المُرسَل أَنْ يعتضد بأحد الأمور التالية :

(أ) أن يسنده الحفاظ المأمونون من وجه آخر عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بمعنى ذلك المرسَل.

(ب) أو يوجد مرسَل آخر موافق له عن عالم يروي عن غير من يروي عنه المرسِل الأول.

(ج) أو يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة.

(د) إذا لم يوجد شيء مِمَّا تقدم لكنَّه ذهب عامة أهل العلم إلى القول به.

ويَشتَرِطُ -رحمه الله- في المُرسِل ما يأتي :

(أ) أن لا يعرف له رواية عن غير مقبول الرواية من مجهول أو مجروح.

(ب) أن لا يكون ممن يخالف الحفاظ إذا أسند الحديث فيما أسندوه، فإن كان ممن يخالف الحفاظ عند الإسناد لم يقبل مٌرْسَله.

هذا هو مضمون الشافعي -رحمه الله- في (الرسالة: ص61و62و63و64).

وقال الحافظ ابن رجب في (شرحه لعلل الترمذي 1/301) =بعد سياقه كلام الشافعي في هذا الموضوع=: (وهو كلام حسن جداً).

(الخامس): قبول مُرسَل التابعي مطلقاً سواء كان كبيراً أو صغيراً إذا اعتضد بشيء من تلك الوجوه المتقدمة في مذهب الشافعي، نقله الخطيب عن أكثر الفقهاء.

*** من ذهب إلى قبول مرسل من لا يرسل إلا عن الثقة:

لا ريب أن هذا القول حَسَنٌ مُتَّجِهٌ، لو لا أنه يُشْكِلُ عليه ما تقدم من أنه لو صرح بتوثيقه وقال: (حدثني الثقة)، لما كان ذلك مقبولاً منه، حتى يصرح باسمه، إذ قد يعرفه غيره بجرح لم يظهر له هو، فمن باب أولى أن لا يقبل مرويُّه إذا لم يصرح بتوثيقه.

*** مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- في الحديث المرسَل:

نُقِلَ عن الإمام أحمد -رحمه الله- في هذا الموضوع روايتان:

إحداهما: قبول المرسل.

والأخرى: ردَّه.

والظاهر أنه عنده حديثٌ ضعيفٌ لا يُعمَلُ به، إلا كما يُعمَل بالحديث الضعيف حين يُحتَاج إليه، ويدُلُّ على ذلك الأمور التالية:

(أ) أن أبا داود =وهو من أكثر تلاميذه ملازمةً له= نقل عنه تضعيفه للمراسيل حيث قال في (رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه: ص24): (وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره).

(ب) أنه دَرَجَ في كتابه (العلل) على إعلال الطريق المسندة بالطريق المرسلة، ولو كان المرسل عنده حجة لازمة لَمَا أَعَلَّ به، بل صَرَّحَ بضعف المرسل في بعض المواطن.

(ج) أنه كان يقدم الآثار المروية عن الصحابة على الأحاديث المرسلة، قال الخطيب في (الكفاية: ص524و525): (وقد كان أحمد بن حنبل يختار الأحاديث الموقوفات عن الصحابة على المرسلات عن النبي – صلى الله عليه وسلم -. ثم روى عن إسحاق بن إبراهيم أنه قال : قلت : لأبي عبد الله حديث مرسل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – برجال ثُبَّت، أَحَبُّ إليك أو حديث عن بعض الصحابة والتابعين متصل برجال ثُبَّت؟!، قال أبو عبد الله : عن الصحابة أعجب إليَّ).

(د) ويؤكد هذه الحقيقة أن ابن القيم -رحمه الله- ذكر في كتابه (إعلام الموقعين 1/29و30) الأصول التي بنيت عليها فتاوى الإمام أحمد -رحمه الله- فرتبها على النحو التالي:

الأصل الأول: النصوص.

الأصل الثاني: فتاوي الصحابة.

الأصل الثالث: الاختيار من أقوال الصحابة إذا اختلفوا.

الأصل الرابع: الأخذ بالمرسَل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه.

الأصل الخامس: الأخذ بالقياس للضرورة.

ولا شك أن تقديمه لقول الصحابي على المرسَل يدل دلالة واضحة على ضعف المرسَل عنده !!، ويحمل عمله بالمرسَل في بعض المواضع على ما عَرَف الناس عنه من عمله بالحديث الضعيف إذا احتاج إليه.

(هـ) أن أهم كتب الأصول عند الحنابلة، وهو كتاب (العُدَّة لأبي يعلى الفرَّاء) عند الرجوع إلى النصوص المنقولة فيه عن الإمام أحمد بنسبة القول إليه بقبول الحديث المرسل :: غير صحيحة تماماً ::، وأنه ليس عن الإمام أحمد نص صريح في ذلك، بل صريحها على العكس!!، وما أسلفنا إيراده عن الخطيب -رحمه الله- في الفقرة (ج) نُقِلَ عنه في العُدَّة مما يدل على التقرير المراد.

**** موقف الإمام أبي داود -رحمه الله- من الحديث المرسل :

يقترب رأي الإمام أبي داود -رحمه الله- من رأي شيخه الأمام أحمد -رحمه الله-، فهو يذهب إلى قبول المرسل إذا لم يخالفه ما هو أقوى منه، ولم يكن في المسألة دليل غيره.

قال -رحمه الله- في (رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه: ص24) بعد أن ذكر الخلاف في الاحتجاج بالمرسَل : ( فإذا لم يكن مسندٌ غير المراسيل، ولم يوجد السند، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة).

قال العلائي في (جامع التحصيل: ص30): (واشتراطه للعمل بالمرسل أن لا يوجد في المسألة غيره، وأن لا يخالف ما هو أقوى منه، يوحى بأنه يرى أن الحديث المرسَل فيه نوع ضعف وقبوله إنما هو من قبيل تقديم الحديث الضعيف على القياس والرأي، ومما يدل على هذا الرأي إفراده المراسيل عن كتاب السنن ولو كانت الحجة نقبت بالمراسيل ويجب بها العمل لما كان هناك أي داع لإفرادها في مؤلف خاص، خاصة أن موضوع الكتابين متحد، فهما يختصان بأحاديث الأحكام دون غيرها، ويؤكد هذا أيضاً أنه -رحمه الله- أَعَلَّ أحاديث كثيرة بالإرسال، ولو كان المرسل مقبولاً ومحتجاً به عنده، لما كان هناك معنى لذلك الإعلال !!!).

**** مذهب الإمام الشافعي -رحمه الله- في الحديث المرسل، والاعتراضات عليه والجواب عنها:

يذهب الإمام الشافعي -رحمه الله- إلى أن المرسَل حديث ضعيف، للأدلة المتقدمة التي أخذ بها من ردَّ المرسَل، لكن من كان من كبار التابعين إذا اعتضد بأحد الأمور السابقة يتقَّوى، ويعلم أَنَّ له أصلاً، وتحصل غلبة الظن بصحته عند ذلك.

* أما مراسيل صغار التابعين فَإِنَّه -رحمه الله- يردُّها، وإن اعتضدت، للأمور التالية:

1-أنهم أشد تجوزاً فيمن يروون عنه.

2-أنهم يوجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.

3-كثرة الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم، وضَعُفَ من يُقبل عنه.

واعترض على قول الإمام الشافعي -رحمه الله- باعتضاد المرسَل إذا أسند من جهة أخرى، بأن هذا القول غير صحيح، لأن المسند إِمَّا أن يكون مما تقوم به الحجة أولاً.

فإنْ كان مما تقوم به الحجة فالعمل به دون المرسَل، ولا فائدة في المرسَل، وإنْ كان المسند مما لا تقوم به الحجة فلا اعتبار به، ويبقى المرسل ضعيفاً غير مقبول.

والجواب عنه: أن مراد الشافعي -رحمه الله- ما إذا كان طريق المسند مما تقوم به الحجة لأنه -رحمه الله- شرط فيه أن يسنده الحفاظ المأمونون.

وأما الاعتراض بأن الاعتبار بالمسند وحده في حال الاحتجاج به فمردودٌ من وجهين:

(الأول): أن المرسَل يقوى بالمسند، ويتبين به صحته، ويكون فائدتهما حينئذ الترجيح على مسند آخر يعارضه لم ينضم إليه مرسَل.

(الثاني): أن المسند قد يكون في درجة الحسن، وبانضمام المرسل إليه يقوى كل منهما بالآخر، ويرتقي الحديث بهما إلى درجة الصحة.

واعترض عليه في قوله: (باعتضاد المرسَل بمرسَل آخر) بأنه ليس فيه إلا انضمام غير مقبول عنده إلى مثله، فلا يفيدان شيئاً . كم إذا انضمت شهادة غير العدل إلى مثلها.

وجوابه: أّنَّه بانضمام أحدهما إلى الآخر يَقْوى الظنُّ بأَنَّ له أصلاً، كما هو الحال في الحديث الضعيف الذي ضعفه من جهة قلة حفظ راويه وكثرة غلطه، لا من جهة اتهامه بالكذب، إذا رُوي مثله بسند آخر نظير هذا السند في الرواية فإنه يرتقي بمجموعهما إلى درجة الحسن، لأنه يزول عنه حينئذ ما يخاف من سوء حفظ الرواة، ويعتضد كل منهما بالآخر.

وأما تشبيهه بالشهادة: فليس كذلك، لأن الرواية تفارق الشهادة في أشياء كثيرة ويقبل فيها ما لا يقبل في الشهادة !!، وهذا من المواضع التي تختلف فيها الرواية عن الشهادة.

واعتُرِضَ عليه في قوله باعتضاد المرسَل بفتوى أكثر أهل العلم، لأن مذهب الأكثر مع وجود الخلاف لا يُصَيَّرُ ما ليس بحجة حجة.

وأُجيبَ عن ذلك: بأنَّ ذهابَ معظم العلماء إلى الأخذ بما دلَّ عليه المُرسل يقوِّي الظنَّ بأًنَّ له أصلاً، وإذا قَوِيَ الظنُّ وَجَبَ العمل !!.

وبهذا الجواب نفسه يُجاب على الاعتراض عليه في تعضيده المرسَل بقول الصحابي.

وقد أجاب الإمام الرازي في (المحصول 1/662) بجوابٍ عامٍ عن الاعتراضات الواردة على مذهب الشافعي -رحمه الله- من هذه الأشياء حرف واحد، وهو: (أنَّا إذا جهلنا عدالة راوي الأصل لم يحصل ظن كون ذلك الخبر صدقاً، فإذا انضمت هذه المُقَوَّيات إليه قوي بعض القوة، فحينئذ يجب العمل به). انتهى

والله أعلم

وصلَّى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين

د. نورالله کوثر – کابول

7 من شهر الشعبان 1438

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع و المصادر

  1. القرآن الکریم
  2. السخاوى: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للقراقى. ص128.
  3. العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص 14.
  4. الزييدى: تاج العروس. ج 7 ص345.
  5. القرافي: شرح التنقيح. ص164.
  6. الشيخ أحمد رضا: معجم متن اللغة ج اص 393.
  7. ابن منظور: لسان العرب. ج ا 1 ص283.
  8. العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص 14.
  9. أحمد بن فارس بن زكريا: معجم مقاييس اللغة. ج 1 ص 393.
  10. السيوطى: تدريب الراوي. ج اص 207.
  11. نفس المصدر. ص 211.
  12. الكفاية فی علم الروایة: ص38.
  13. ابن الحنبلي: وقف الأثر. ص 14.
  14. العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص 27.
  15. الإمام مسلم: الجامع الصحيح. ج. ص 132.
  16. العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص30.
  17. ابن أبى حاتم: كتاب المراسيل. ص 7.
  18. الحاكم: معرفة علوا الحديث. ص 26.
  19. ابن عبد البر النمري: التمهيد ج1 ص6.
  20. الخطيب البغدادي: الكفاية. ص 387.
  21. 1 النووي: المجموع. ج1.ص99.
  22. الحاكم: معرفة علوم الحديث. ص 26.
  23. 2 الخطيب البغدادي: الكفاية. ص 384.
  24. 3 ابن همام الدين: تيسير التحرير. ج 1 ص 102.
  25. 4 موفق الدين الحنبلي: الروضة. ص 64.
  26. 5 الآمدى: الإحكام في أصول الأحكام، ج2. ص112.
  27. 6 الغزالى: المَستصفي. ج ا. ص 169.

 

[1] – السخاوى: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للقراقى. ص128.

[2] – العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص 14.

[3] – الزييدى: تاج العروس. ج 7 ص345.

[4] – القرافي: شرح التنقيح. ص164.

[5] – الشيخ أحمد رضا: معجم متن اللغة ج اص 393.

[6] –  ابن منظور: لسان العرب. ج ا 1 ص283.

[7] – العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص 14.

[8] – أحمد بن فارس بن زكريا: معجم مقاييس اللغة. ج 1 ص 393.

[9] – السيوطى: تدريب الراوي. ج اص 207.

[10] – نفس المصدر. ص 211.

[11] – الكفاية فی علم الروایة: ص38.

[12] – ابن الحنبلي: وقف الأثر. ص 14.

[13] – العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص 27.

[14] – الإمام مسلم: الجامع الصحيح. ج. ص 132.

[15] – العلائي: جامع التحصيل في أحكام المراسيل. ص30.

[16] – ابن أبى حاتم: كتاب المراسيل. ص 7.

[17] – الحاكم: معرفة علوا الحديث. ص 26.

[18] – ابن عبد البر النمري: التمهيد ج1 ص6.

[19] – الخطيب البغدادي: الكفاية. ص 387.

POST A COMMENT.